كيف ستقضي إجازتك؟

 

بعد ركود اجتماعات العيد المكثفة والمرهقة للبعض، تلتقي بنفسك فجأة وجهًا لوجه دون أي استعداد مسبق، كأنك غريب عنها، في مكان غريب، وتوقيت غريب، تائه بلا أية بوصلة: ماذا أعمل؟ ومن أين أبدأ؟

في هذه التدوينة حاولت جمع بعض الاقتراحات التي يمكن أن تلهمك بفكرة، أو تشجعك لعمل، ولا أزعم أني جئت فيها بجديد خفي عليك، أو غريب قصُر عنه تفكيرك، ولكن ذكرى لمن أراد أن يتذكر، وتشجيعًا لمن احتاج لمشجّع، وهي مجرد وسيلة تحتاج لوسائل تردفها، أولها إرادتك وعزمك، بعد توفيق الله.

هذه القائمة لم تكتب لطلاب علم جادين قد اختاروا مقاعدهم الصيفية باكرًا، ولا للدائبين كل إجازة في مشاريع صارت من حبهم لها كالمفروضة عليهم، ولكنها لمن هم مثلي، يطمحون ويتمنون، ولكن تشكل لهم الخطوة الأولى عثرة في طريقهم، أو يبارزهم الكسل في كل مرة ينوون فيها الوقوف، أو يريدون ويتمنون ولكن لا يعرفون أين الطريق؟ وكيف يبدؤون المسير؟

 

قبل البدء:

“قاوم الفراغ بأقصى ما تستطيع فلا شيء أثقل على الروح وأشد ضرراً على النفس وأفسح لطريق عبور الشيطان إلى قلبك، مِن قواطع الفراغ وخلو اليد من عمل يترقّـى به العبد إلى حظ الدنيا والآخرة.

قال ابن القيم -رحمه الله-: (النفس إن لم تشغلها بالحق ، شغلتك بالباطل)”. @Abdulaziz_alsh3

 

 نبدأ:

1- الدورات عن بعد: لتعلم مهارة جديدة، أو علمٍ لم يسبق لك الخوض فيه، أو حتى لتعميق وترسيخ معلوماتك في علم ما، هناك منصات كثيرة مجانية تتيح لك الاشتراك في دروس أو دورات تختارها بنفسك. وعلينا أن لا ننسى أنّ متعة تعلم شيء تختاره أنت بنفسك ليست مثل ما يُفرض عليك أبدًا. هذه بعض المنصات التي تحضرني، وهناك أضعافها على الشبكة:

رواق

إدراك

مهارة

دروب

مهارات من قوقل

 

2- ألعاب التركيز: بعيدًا عن القراءة والتعلم، يمكننا أحيانًا أن نكتسب بعض المهارات عن طريق اللعب. هذه ألعاب تنمي التركيز، وسيكون من الجميل جدًا لو اشتمل برنامجك اليومي على وقت مستقطع تقضيه في اللعب لزيادة تركيزك، ولاستمتاعك.

الموقع الأول

قيل عنه: “أفضل موقع عربي خاص لتقوية العقل ويوجد فيه 25 لعبة عقلية ممتعة ورائعة، أنصح بشدة بلعبة: العقل المدبر، وحفظ الألوان.

التزم مدة شهر وتمرن مدة 30 دقيقة بشكل مستمر ولاحظ تغير حفظك على الأشياء

جربتها بأكثر من شهر تحسن لدي الذاكرة طويلة المدى”.

الموقع الثاني

قيل عنه: “هذا الموقع خاص لتختبر عقلك ومهاراته. الموقع مقسم إلى:

1- اختبار الذكاءات المتعددة.

2- السرعة المعرفية.

3- التركيز المستمر.

4- أوجه مشهورة.

5- قراءة العقل في العين.

6 – حالات غير عادية.

اختاروا اختبار التركيز مدة 14 دقيقة ممتع ممتع وفعلًا اختبار حقيقي”.

وهنا المزيد.

 

3- مركز العائلة الصيفي: إذا كان لديك أقارب أو أصدقاء ترغب أن يكون بينكم برنامج مشترك تستغلون به أوقاتكم، وتضعونه حسب معاييركم الخاصة، فيشرفني اطلاعك على تجربتي في المركز الصيفي العائلي. الفكرة كاملة ومفصلة هنا.

 

4- تحديات يومية: من أجمل ما وهبتني إياه وسائل التواصل هي المشاركة في تحديات على الملأ، ترغمني على الالتزام بها: تحدي قراءة كذا، تحدي كتابة المذكرات اليومية، تحدي تصوير، رسم … وقد تكون هذه التحديات فردية تتحدى بها نفسك، أو تكون مقامة من قبل مجموعة، أنت فرد فيها.

شاركت قبل عام في الانستجرام تحدي #30يوم_نشاط_مع_عزيز ، ولا أستطيع أن أصف لكم الأثر الذي أحدثه سواء لي شخصيًا أو للناس، وقبله شاركت #30 يومًا_رياضة، وصديقتي آلاء في تويتر شاركتنا تحديها في #365مقالا. تجارب التحديات ملهمة جدًا وفوق الوصف، خصوصًا لمن يملك قدرًا أقل من الانضباط الذاتي، وبإمكانك البحث في تحديات قائمة وجاهزة والانضمام لها، أو المبادرة من نفسك بواحدة، واستمتع بالتحدي!

 

5- تطوّعْ خيرًا: تبقى غايتنا كمسلمين أن يرضى الله عنّا، ويبلغنا أعالي جناته، وما الحياة الدنيا إلا محطة قصيرة نتزود منها للآخرة .. في حياتنا الأبدية هناك.

الإجازة فرصة لنتزود من كل خير أشغلتنا عنه ارتباطاتنا الدراسية والمهنية، الخير الذي لا حد له، ولا يمكن حصره، سواء كان أثره قاصرًا عليك مثل الصلاة، وقراءة القرآن، أو كان متعديًا كالصدقات والتعليم. موقع بكور يقدم أفكارًا خيرية رائعة، وكل ما على القارئ أن يختار فكرة ويطبقها لوحده، أو يقترحها على مجموعة معه ينفذونها سويًا، وتكون مشروع الإجازة الذي لا يُنسى، ولن يُنسى!

 

6- القراءة: صباحيات شوال، -بعد الفجر على وجه التحديد- تمثل أكثر أوقات السنة استرخاء ورواقًا. هذا الكلام لا يخصني وحدني، ولكن قد يشملك أنت أيضًا.

وهي لمحبي القراءة تمثل أوقاتًا استثنائية بحق للعزلة بكتاب، مستلقيًا على السرير حينًا، وفي فناء المنزل حينًا آخر، أو جالسًا بعشوائية في غرفة المعيشة.

إذا كنت قارئًا فبالتأكيد لديك قوائمك المعدة مسبقًا، إما إذا كانت تجربتك ما زالت في مهدها ولا تدري ماذا تختار، فجرب أن تذهب في رحلة إلى مكتبة وتتصفح الكتب التي تظن أنها تناسبك، ثم تقتني مجموعة منها، أو يمكنني أن أرشح لك بعض الكتب التي أعتقد أنها تناسب غالب الناس، حتى من لم يسبق له قراءة كتاب قطّ. (لا يلزم أني قرأتها):

1- كتب عبدالوهاب مطاوع.

2- كتب أحمد خالد توفيق.

(نصيحة على الهامش: قبل أن تقتني كتابًا ابحث عنه في موقع قودريدز وانظر تقييمه وتعليقات القراء حوله، سيساعدك هذا كثيرًا في اقتناء الكتاب السليم الملائم لذوقك).

 

7- سماع القصائد: إذا كنت مهووسًا بالأدب، الشعر على وجه التحديد، أو حتى إذا لم يكن لديك أي اهتمام به، جرب أن تستمع للشعر وتستمتع به، وها هنا نماذج:

سلطان السبهان

ابن زريق

 

8- دور القرآن والمراكز والنوادي الصيفية: ستجد غالبًا في مدينتك مراكز صيفية، ودورًا لتحفيظ القرآن، ونوادٍ تابعة للجان التنمية، وسواء كنت من روادها أو لم يسبق لك الالتحاق بها، فنصيحتي لك هي أن لا تفوت هذه الفرصة الثرية التي قد تكتشف لاحقًا أنها من أكثر الأمور التي صقلتك وغيرت حياتك وعرفتك بنفسك وبعوالم جديدة من حولك. أما إذا كنت لا تعرف هذه المراكز، فيمكنك أن تسأل الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن بمدينتك، أو لجان التنمية عن برامجهم، أو تبحث في وسائل التواصل عن أحدها.

ولأني من سكان الرياض فسأكتب هنا عن ما أعرفه منها للفتيات:

جامعة مران الصيفية

مدرسة الفتاة (التابعة لمجمع نورين)

مركز بلاج

فتيات آسية الوقفية

عالم غراس

مركز الدرة

إيراق

الهمة العليا

مركز الإكليل

 

9- الغرفة السرية: لعبة موجودة في بعض المدن السعودية، وهي لغز عبارة عن غرفة تدخل لها بصحبة رفقتك، والمطلوب هو الخروج منها في ظرف ساعة، بالاستعانة بمجموعة من التلميحات الموجودة في الغرفة. يلزم التسجيل المسبق ودفع الرسوم عبر الموقع.

وأظنها تجربة جميلة ومختلفة ستضفي الكثير من المرح خلال الروتين اليومي.

 

10- الأفلام الوثائقية، والبرامج الحوارية، وقنوات اليوتيوب الثرية: رغم حبي لهذا النوع من المعرفة إلا أن وقتي لا يسمح لي بالكثير منها، ولذا قد لا أكون الشخص الأنسب للتوصية في هذا المجال، لكن البحث عن المميز فيها ليس صعبًا أبدًا.

تيد بالعربي

عبيد الظاهري

كتابي

علي وكتاب

يوتيوب ثقافي

 

11- زيارة مستشفى: كم منيّنا أنفسنا بزيارة المرضى في المستشفيات؛ لندخل عليهم السعادة لو بسلام وابتسامة ودعوة، لكن كنا نتعذر دائمًا بانشغالاتنا وارتباطاتنا. وإذا لم يكن الآن هو الوقت المناسب فمتى يكون؟ بعضهم ملّه أهله من ذوي الشيم الدنيئة، لطول عهد مريضهم بالمرض، وقريبًا قرأت أن حتى من هو في غيبوبة فإنه يحس ويشعر ويسمع ويتفطر مللًا، ولكن لا يستطيع حراكًا! (قرأته هنا)

وإذا كنت تشعر بأنك لا تعرف كيف تتصرف، أو لا تدري كيف تبدأ، فأطمئنك أن الموضوع لا يحتاج سوى أن تعرف أوقات الزيارة في المستشفى ثم تذهب، لا أكثر من ذلك. الزيارة لن تسعدهم فقط، ولن تثاب عليها فقط، ولكن مجرد دخولك بوابة المستشفى ستشعر أن الكون اختلف عليك، وأن ثمة حقيقة أنت غائب عنها، وسترجع بغير الروح التي ذهبت بها.

 

إحدى عشرة فكرة أظنها كافية في حيز صغير كهذا، وستجد من بينها حتمًا لو فكرة واحدة تناسبك، وإذا كنت لا تشعر بالحماس الكافي لفعل شيء منها فهذا  مقطع صوتي أراهن أنه سيجعلك الآن تقفز من مكانك وتنفذ جميع الأفكار الممكنة.

 

يسعدني أن تقترحوا المزيد، أو تشاركوني تجاربكم.

وإجازة سعيدة، ومباركة، وثرية أتمناها لكم.

وتذكروا: السعادة لا تأتيك على فراشك. السعادة ثمن لجهد، وليس شرطًا أن يكون هذا الجهد مما يُتصبب له عرقًا. ولكن يحتاج لجهد ولو كان ذهنيًا بإعمال الفكر.

لقاء رابطة الخاتمات، و ٤ أفكار لاجتماعاتكم الشتوية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

من أجمل الأشياء التي أحدثت فارقًا في حياتي هي رابطة الخاتمات التي تجمعني بصديقاتي وزميلاتي أيام الدراسة، لن أتحدث هنا عن ماهيتها، فلعلها تكون في تدوينة أخرى، ولكن سأتحدث عن لقاءنا الثالث وما حواه من أفكار اجتماعية وترفيهية -حصرية جدًا- ومن جيوبنا!

لتبقى لياليكم الشتوية ذكرى حاضرة دائمًا في قلوبكم .. بنكهة عبقة ودافئة.

img_9235

الفكرة الأولى:

تحدي الكريمات ..

تحت شعار: “لأن يديك تستحق الدلال”!.

أحضرنا مجموعة من “اللوشنات” والكريمات والزيوت والمعطرات متوسطة السعر (جليسوليد، نيڤيا، زيوت جونسون، مركزات زهور الريف، زيت اللوز، زيت مدري ايش ….) وحرصنا ان بعضها يكون سيء الرائحة 😉

وتم تقسيمهم لمجموعات، وإعطاء كل مجموعة (وعاء + ملعقة للخلط) والمطلوب هو اختيار ٤ مكونات فقط من بين المكونات وخلطها، للخروج بكريم مثالي: قوام جيد، تمتصه البشرة، رائحة زاكية.

(يمكن تداول المكون الواحد بين أكثر من مجموعة، بحيث لا تحتكر مجموعة نوع معين)

وبعد عشر دقائق يتم التقييم من قبل لجنة التقييم.

على الجانب الآخر يمكن تجهيز علب فردية، لتضع كل واحد حصتها من الكريم فيه، وتبقى ذكرى جميلة ومنعشة ورطبة لهذا اللقاء 💕

f51e4926-ac2d-4cba-84be-ca35ecc4995d43fd718e-60a3-4b74-9f54-115f7f5b3aa9d35b712c-c7bf-4f98-b7d4-3c61be0ff91d

img_9240

img_9247

الفكرة الثانية:

كوب الفنّ ..

يتم تحضير طاولة للمشروبات الدافئة، حليب حار، ماء مغلي، وأظرف قهوة متنوعة، بجانبها أكواب ورقية جاذبة، وأقلام خط سوداء. ويمكن لكل ضيفة أن تعبر عن شخصيتها برسمة أو عبارة قبل أن تستمتع بمشروبها المفضل ..

إذا كانوا صديقاتك من طالبات الثانوي أو الجامعي فغالبًا سينسون أمر القهوة، وينهمكون في الرسم والخطّ 🤦🏻‍♀️😅

90ff0c50-bb7b-4dda-9145-9df7b06a3a2896df1fb0-2e1b-4319-8a93-753b2dac8f54c7c951d5-a789-4125-bfff-e4eb87f660d5faec2bba-bf15-4cd1-a745-3f8a1f45d152

img_9239

الفكرة الثالثة:

الحقيقة الكاذبة .. (الفكرة مقتبسة)

هذه فكرة لطيفة، مناسبة جدًا لفتح موضوع مشترك بين مجموعة يتعارفون لأول مرة، أو تعارفهم سطحي، ولا مانع أبدًا أن تكون بين الصديقات أيضًا والقريبات.

فكرتها أن تقول كل واحدة ٣ حقائق عن نفسها، اثنتان منها صحيحة، وواحدة خاطئة، وعلى الجميع اكتشاف الحقيقة الكاذبة.

مثلًا: تخرجت قبل ٣ سنوات من الجامعة، أفضل القراءة في الكتب التربوية، ولا يمكنني تناول السينبون! (الحقيقة الأخيرة قالتها إحدى زميلاتي في اللقاء وهي صادقة! يمكنكم أن تتخيلوا هذا!!).

المهم، على الجميع أن يكتشف الحقيقة الخاطئة من بين هذه الحقائق، وهكذا تتنقل الفكرة على الجميع، وتدور بينهم في جو من الحميمية والاكتشافات الظريفة والعجيبة لشخصيات من حولنا، والتي قد نظن أحيانًا أننا نعرف كل شيء عنها!

img_9243

(لأني أحب الكيك وقت العصر، رأيت من الواجب وضع هذه الصورة وإن لم يكن لها علاقة. شكرًا نورة على الكيك اللذيذ، وشكرًا أروى على توثيق الكيك)

الفكرة الرابعة:

دورة إشعال النار ..

قد تبدو الفكرة تافهة عند محترفيّ إشعال النار، ولكنها لمن هم مثلي دورة في غاية الأهمية. كنت أظن ولا زلت أن هذه المهارة هي أهم ما ينقصني لتكون سيرتي الذاتية مكتملة 😅

لم تطرأ علي الفكرة إلا في وقت اللقاء، حين انبهرت بمهارات بعض صديقاتي واكتشفت ثقافتهن البرية، وأنا التي كنت أكتب كل مرة -على استحياء- في محرك بحث قوقل “طريقة إشعال النار”!

لم نطبق الفكرة للأسف لعدم استعدادنا لها، واكتفينا فقط بتداول أهم النقاط بشكل نظري وسريع، ولكني رأيتها فكرة جميلة جدًا وثرية، ومجال لتبادل الخبرات: طرق الإشعال المختلفة القديمة والحديثة وأفضلها وأسرعها، وضعيات الحطب التي تسمح بمرور الهواء، كيف يتم تفادي الدخان المؤذي … وما إلى ذلك.

ولا أجمل من أن يتوّج اللقاء مجلس ذكر، وإن لم يكن بيننا داعية، إلا أن في يدينا وحقائبنا مئات الدعاة: يوتيوب!

نحتاج فقط سماعة، وانتقاء مقطع مناسب، واستحضار الرحمة التي تنزل بالمكان، والملائكة وهي تحتف بالمجلس، وذكر الله لنا في ملئه الأعلى ..

شتاءً مفعمًا بالحب أتمناه لكم. شتاء يجمعكم بأحبابكم، ويجمّل لياليكم ..

هذا كل ما لدي .. شكرًا لقربكم.

*التصوير النهاري لصديقتي: نورة الموسى ♥️

وبقية الصور من رفيقات الرابطة ♥️

مخاوف

لا أزال أتذكر ذلك الموقف جيدًا. حين كنت أنام مع أخي في الغرفة المقابلة لغرفة والديّ.

لا أذكر عمري بالتحديد. ولكن لم أتجاوز السابعة قطعاً. بينما يكبرني أخي بثلاثة أعوام

ذات ليلة حين كنا على وشك النوم، تداعت لأذني أصوات غريبة ومخيفة. لم أشكّ أبدًا في أنها أصواتحراميّة“!

ولا تسألوا حينها عن فزعي واضطرابي. فما كان مني إلا أن هرعت لسرير أخي وطلبت منه اللجوء والأمان.

كان متفهمًا جدًا لخوفي. فأشركني معه في لحافه ببراءة، وطمأنني بأنه ربما يكون صوت عمال بناء!

مضت لحظات قبل أن يفتح أبي الباب. ولما رآني مندسة في فراش أخي انزعج وأمرنا بحزم أن نفترق.

برّر له أخي سبب نومي معه وشرح له وضعي. لا أتذكر ما قال له بالضبط ولا بم رد عليه أبي.

كل ما أتذكره ذلك الرعب الجنوني الذي لم يفارقني منذ سمعت الصوت الآتي من السطح.

لم يبد على ملامح أبي أنه اقتنع بحكاية الحرامية. أو أنه فهم ما يدور بداخلي. كنت أشعر أن بين ما أحس به

وبين ما يفكر به أبي ملايين من السنواات الضوئية كي يستوعب دقات قلبي وتوجسه. وكان من الواضح جدًا

أنه من المستحيل أن يستوعب حجم ما أشعر به. وذلك ما أصابني بإحباط وقهر أعجز عن بيانه!

لم يتصرف معنا بقسوة. فهو معروف بطيبته وحنانه. لكنه كان صارمًا في أمرهفي ردة فعل طبيعية ومتفهمة

جدًا الآن بالنسبة لي، إضافة إلى أن وقت النوم لم يدع مجالًا للنقاش معه

انتهت تلك الليلة. وتقضّت تلك الأيام. وجاء الوقت لأكون فيه أمًا لأطفال بيني وبينهم ملايين من السنوات الضوئية

أيضًا في التفكير والمشاعر

أتذكر تلك القصة الآن في كل المواقف الغريبة واللامنطقية التي لا أفهم فيها تصرفات ابني!

كلما طلب مني ابني شيئًا سخيفًا وأصر عليه وبكى، بينما لا يوجد أي سبب منطقي لطلبه ولا لبكائه!

حين يطلب مثلًا وهو في سريره وقد شارفتُ على النوم أن تنام معه اللعبة الفلانية. أو يبكي بحرقة مثلًا لأجل أن

يلبس لبسًا معينًا. أو يبكي لخوفه من شيء أو شخص ما.

أقدر تمامًا ما تشعر به يا بنيّ وإن لم أفهمه على حقيقته. أقدر مخاوفك واهتماماتك التافهة في منظور الكبار.

سأحاول أن أصغُر حتى أكون بمحاذاة أفكارك. سأُكذّب نفسي وأصدقك. سأبدو كمن يقتنع بجدوى مخاوفك وأنها

حقيقية فعلًا ومرعبة، ثم نحاول سويًا أن نقتلع منا هذا الخوف.

سأسفّه أحلامي وأؤمن بأحلامك. حتى وإن عارضتُ أو مانعتُ شيئًا يخصك، فثق أني لا أفعل ذلك تقليلًا من أهميته عندك،

ولكن لأنه قد يضرك بشكل أو بآخر. فأنا في النهاية سأعيش معك بعمرين مختلفين، وبعقلين متغايرين: الأم العاقلة

المربية من جهة، والصديقة الصغيرة اللعوبة ذات المشاعر الغريبة من جهة أخرى♥️

9 أفكار لعيد مختلف.

large

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وأعاد علينا وعليكم مواسم البر والخيرات والأفراح كل عام بخير وسعادة.

أضمن لكم بإذن الله أن تجدوا في هذه التدوينة بعض الأفكار المبتكرة للعيد، ولكن قبل أن أبدأ أتمنى أن تتحروا في قراءتكم وتجهيزكم لهذه الأفكار الأوقاتَ المناسبة، بحيث لا تشغلكم عن عبادة تفوت، كالتراويح،  والقيام؛ فالموسم قصير، والأنفاس معدودة، والأولويات تتزاحم، والسعيد من استثمر وقته في الأولى فالأولى.

 

في كل سنة كنا نعتمد في العيد بشكل أساسي على المسابقات، إلا أنها في الأعياد الأخيرة باتت غير مناسبة لطبيعة عيدنا نحن، فمع كثرة الأعداد -باركهم الله- يصعب ضبطهم في وقت واحد، مما يصيب المعد بإحباط.

السنة الماضية قمنا بتغييرات بسيطة جدًا، ولكنها كانت جميلة حقًا! قد تجدين فيها ما يلهمك، وقد لا تعنيك. سأسردها على شكل نقاط:

1- المكان: غيرنا مكان الجلوس، فبدلًا من جلوسنا في (الدكة) جلسنا على بساط وسط الثيل. ومع زينات العيد المتدلية أصبح المكان رائقًا جدًا.

2- الضيافة: رتبنا الضيافة مسبقًا بين الحضور، ووضعنا طاولتين، واحدة للقهوة والثانية للشاي، أما المضيّفات الرائعات فهم فتيات العائلة، ففي لحظة معينة انطلق صوت نشيد العيد من مكبر الصوت، ومعه انطلق طابور المضيّفات بشكل فريد وقد استعددن بفناجيل القهوة في أيمانهن. (فكرة بسيطة لكنها كانت مدهشة ومفاجئة، وقد تكون في أول تقديم فقط، ثم تكون الخدمة ذاتية فيما بعد (: ).

3- فقرة اجتماعية ودية: جهزنا بطاقات  أصغر من الكف تقريبًا، حوالي عشر إلى عشرين بطاقة، كل بطاقة تحوي عبارة مثل: (لبسها أعجبك اليوم، ابتسامتها جميلة، طبخها لذيذ، العيد شوفتها، سلامها يبرد القلب، سوالفها حلوة، يأسرني هدوءها ….) وهكذا، وحاولي أن تكون العبارات منوعة وشاملة للكبير والصغير، ولجوانب إيجابية عدة. ثم وزعناها بشكل عشوائي المرة الأولى، وطلبنا من كل واحدة تصلها بطاقة أن تنقلها لمن يستحقها، وهكذا تدور البطاقات في وقت واحد، بشكل ودي ولطيف، بدون إعلان ورسمية، وتستمر البطاقات بالدوران، إلى أن يمل الحضور، وينال الجميع حقه من الإعجاب والتقدير :)

ملاحظة: حاولي أن لا يبقى أحد بدون أن تصله بطاقة ولو لمرة واحدة. بإمكانك أن تتفقي مع غيرك على هذه المهمة النبيلة حين تصلكم إحدى البطاقات :)

4- فقرة ذكريات: قبل العيد بأيام أعلنّا في مجموعات العائلة على الواتس أب مسابقة أقدم صورة لأعيادنا الماضية، وبعد استلام الصور، جهزناها في عرض بسيط، وتم عرضها على شاشة بروجكتر، وتكريم صاحب أقدم صورة للعيد. (ممكن تكون أطرف صورة للعيد، أو أجمل صورة أو … وممكن أيضًا يكون عرض صور العيد السابق فقط، ولتطوير الفكرة: يصور العيد من قبل شخص معين بلقطات فيديو طويلة وعفوية ولقاءات مع الأطفال والرجال وكبار السن، وتعرض هذه الفيديوهات في عيد السنة القادمة، وهكذا في كل عيد تكرر الفكرة).

5- برنامج الأطفال: أعددنا 4 أركان: ركن القصص، ركن التجميل، ركن الألعاب، ركن التلوين. وتولت كل فتاة من فتيات العائلة ركنًا معينًا، بإحضار طاولة أرضية (طبلية)، وأدوات الركن، حيث في ركن القصص تقرأ صاحبة الركن قصة على الأطفال بتعابيرها التفاعلية (ممكن تطور الفكرة إلى مسرح عرائس)، وفي ركن التجميل هناك طلاء الأظافر، واللواصق الطفولية اللامعة (لا أعرف اسمها الحقيقي للأسف (: )، أما في ركن التلوين فهناك الرسومات المجهزة مسبقًا للتلوين، والألوان الخشبية أو الشمعية. وفي ركن الألعاب هناك لعبة إصابة الهدف، وغيرها الكثير.

قد يدخل الأطفال بشكل مجموعات أو بشكل عشوائي، المهم أن يحدد تنظيم معين مسبقًا، ويكون هناك منظمة أو مشرفة، ومن المهم أيضًا أن تكون فترة الأركان كاملة ساعة ونصف مثلًا، أو ما يناسب الاجتماع، وذلك حتى لا ترتبط صاحبة الركن طوال الوقت بهذا البرنامج وتنسى حقها من المتعة في يوم العيد.

6- أجمل ابتسامة: هذه الفكرة والتي تليها هي من أفكار هذه السنة بمشيئة الله، والتي بالطبع لم ننفذها حتى الآن :) تقوم هذه الفكرة على إعلان مسبق لأجمل ابتسامة ووجه بشوش في يوم العيد، بحيث يوضع صندوق في زاوية معينة وواضحة للجميع، بجانبها أوراق وأقلام، ويتم الترشيح من قبل الجميع في وقت مفتوح، على أن يكتب كل مرشِّح اسمه أيضًا تحت اسم مرشَّحه حتى لا يكون هناك تلاعب في الترشيح، ويُعلن وقت معين في منتصف الاجتماع لانتهاء وقت الترشيح، ليتم بعدها فرز الأصوات وإعلان الفائز، وتسليمه الجائزة.

7- زاجل العيد: يتم تجهيز ورد، وشوكلا، وبطاقات معايدة بعبارات جاهزة ومنوعة، وقلم. وتوضع في ركن، أو في صندوق مفتوح مع ساعية البريد، تدور وهو معها، وبإمكانها أن تميز نفسها بلباس مميز، وتضع لوحة مثيرة أو شيء يوحي بأنها ساعية بريد، بحيث من أراد إرسال عيدية لشخص آخر موجود في الاجتماع ما عليه إلا أن يدفع سعر رمزي (ريالان أو ثلاثة أو خمسة) ويكتب اسمه واسم المهدى إليه على البطاقة، لتقوم ساعية البريد بإيصالها للشخص المراد. فكرة لطيفة جدًا ولها أثر ودي جميل.

8- التحديات: انتشرت هذه الفكرة مؤخرًا في المراكز الشبابية، وهي بحق رائعة! يتم فيها تجهيز كروت أكبر من حجم الكف قليلًا، فيها مجموعة من التحديات الاجتماعية اللطيفة المناسبة لطبيعة الاجتماع. وتوزع هذه الكروت عند المدخل مع قلم صغير ليضع علامة التنفيذ (تشك) بجانب كل تحدي، بحيث تحفز كل شخص على تحدي نفسه بالتنفيذ، ليخرج من اجتماع العيد بأكبر مكسب ممكن. (قد تقف الفكرة إلى هذا الحد، وممكن يقال أن من ينفذ مثلًا 8 من أصل عشر تحديات -بالرجوع إلى أمانة نفسه ثم ثقتنا به-؛ فإنه يستحق مكافأة العيد، وما عليه إلا أن يتوجه إلى فلان أو المكان الفلاني، ويسلِّم بطاقته، ويستلم هديته -شي رمزي لطيف كميدالية باسم العائلة، أو كوب باسم العائلة أيضًا، أو شيء من هذا القبيل) .. أما عبارات التحديات فمن الممكن أن تكون:

لاطفي الصغار وعايديهم وأبدي سعادتك برؤيتهم.

اتركي جوالك لمدة ساعة.

اجلسي مع شخص لم يسبق لك الجلوس معه.

قدمي القهوة والشاي بنفسك لمن حولك.

سلمي على الخدم وعايديهم.

التقطي صورة جميلة وضعيها في وسم #عيد_الـ “اسم العائلة” في تويتر أو انستجرام. (ممكن يستفاد منها للفكرة رقم 4 للعيد القادم).

شاركي من حولك بإضافة أو فائدة.

تذوقي شيئًا جديدًا لم يسبق لك تذوقه.

العبي مع من بجانبك لعبة كذا وكذا (أي لعبة بسيطة وسريعة، مثل أطول نفس، أو الذاكرة السمعية، أو تحدي عدم الرمش بالعين، أو غيرها الكثير).

وأبدعي أنتِ بإضافة أفكار أخرى للتحديات، أو من الممكن أن تكتفي بهذه.

9- رسائل العيد: سبق أن نفذناها في عيد قديم، وكانت جميلة للغاية. دونت عنها هنا.

 

إلى هنا أكتفي بهذا القدر من الأفكار، ولعلي أضيف باقيها في تدوينة السنة القادمة بإذن الله، بلغني الله وإياكم ذلك الحين ونحن نرفل في ثياب الخير والسعادة. وعيدكم بهيج مقدمًا.

 

 

احتجاج.

في الوقت الذي يفترض فيه أن أكتب مقالًا علميًا طُلب مني، أو أن أكمل بحثي الذي يجر خطاه بتثاقل عجيب؛ أجدني مقادة بشكل ما لأكتب كل هذه الوشوشات التي تستهدف رأسي.

لست بحاجة لأكمل حياتي بنفس النمط الذي عشته، لسبب أنني درجت عليه فقط، أو أن هذه هي أنا. بدأت أفقد ثقتي بشخصيتي المتحفظة والمتزنة والحذرة أحيانًا والدقيقة والعملية دائمًا وأبدًا. الفتاة التي تقوم بالواجب، فقط لأنه واجب ومن الضروري أن تفعله لتشعر بالرضا نسبيًا، وليس لأنها تجد رغبة في أدائه فعلًا، أو أنها تجد نفسها فيه. ألاحق الواجب في كل مكان لأفعله. أوزع المهام الكثيرة على وقتي، أدسها هنا وهناك، خلف عقرب الساعة أحيانًا، وبين الخطين المتوازيين من الرقم أحد عشر أحيانًا أخرى، وتحت مظلة الثامنة إذا لزم الأمر.

لا يعني كل هذا بالطبع أني أقوم بأفعال عظيمة. لا شيء من ذلك قد حصل معي فعلًا. ولا أشعر بأن هذه يمكن أن تكون خطة سحرية للنجاح. إنها خطة سحرية للعيش بأقل قدر من تأنيب الضمير، بالعيش برضا وسلام نسبي على أكثر تقدير.

لا أقول هذا تقليلًا من قدر الواجب نفسه. (حاشى حبيبي!). ولكن بالنظر إلى طريقتي في التعاطي معه: حشد أكبر كمية من الواجبات، بمستوى أداء “أدنى الكمال” كما هو الشأن في ركعات الوتر الثلاث. وماذا أيضًا؟ قد تكون الواجبات بلا روح أحيانًا. فقط ليستمر مسلسل إرضاء الضمير الذي لا يشاهد إلا الظاهر، ويتغافل عن الحقائق والمعاني.

ماذا عن الأشياء الأخرى التي لم يُبقِ لها الواجب متسعًا ولو على هامش الوقت؟ ماذا عن النوم في أي وقت وأي مكان؟ ماذا عن فعل الأشياء الغريبة والخارجة عن طبيعة شخصيتي: الاستحمام لوقت طويل دون الاكتراث بأي شيء، الركض والصراخ والضحك بصوت عالٍ، اقتناء أحجار كريمة أو أحجار بطيخ! تربية قطة شيرازية أو بقرة “كيوت” -كما تتمنى ابنة خالتي-، الكتابة بأخطاء نحوية وإملائية فادحة، وبلا علامات ترقيم، ولا أقواس لتحاشي الفهم الخاطئ للجملة، الاهتمام بجمع أشياء معينة: علب عطور، دمى، فواتير، فُرش أسنان، بطاريات منتهية، أي شيء لا يهم.

ماذا يمكن أن تقدم الحياة لشخص مثلي؟ روتيني، مثير للملل. يقدس الواجب. بل ماذا يمكن أن يقدم مثلي للحياة؟

ومن مركز الدوامة، وربما من قعرها، وبينما تدور بك طاحنة الحياة وواجباتها، ربما لا تجد الوقت الكافي للتفكير. نعم هذا ما يحصل معي دائمًا. كان المنقذ الوحيد لي هو بعض “البودكاستات” التي أستمع لها أثناء انخراطي في عمل ما. والمقالات التي تخرجني من قوقعتي، وتنبه مركز الأعصاب لدي بشيء جديد ومثير بالنسبة لها، خارج عن روتينها المعتاد. لذا أجد أنه من الواجب عليّ أن أشكر كل أولئك الأشخاص الذين قرروا أن يشاركوا الآخرين تجاربهم ومعارفهم. قد لا تكون معارف علمية بالضرورة، بل حكايا عابرة وأحاديث شخصية ليست ذات معنى لصاحبها على كل حال، لكنها ذات ألف معنى لغير صاحبها/ المختلف عنها تمامًا، الآتي من مجرة كونية بعيدة!

ليس ذلك فقط هو كل ما يحدث معي. فحين يزيد مستوى نخر الروتين لعظامي؛ أبحث عن أشخاص مختلفين عني تمامًا، غريبي أطوار. أدلف عتبة اليوتيوب، وأفكر مليون مرة: ماذا يمكن أن أكتب في خانة البحث ليخرج لي المقطع الذي سيهز أعمق نقطة فيّ؟ أفكر كثيرًا، ثم يؤسفني أن أخرج خائبة بعد عملية بحث فاشلة. أدخل تويتر: أحاول أن أخمن  اسم أكثر شخص مثير وغريب ويمتلك أفكارًا هائلة وأسطورية؟ ويتكرر سيناريو الفشل الذريع.

لا شيء مثير في هذه الحياة يمكن أن أجده. هل كان الخلل في المحيط الذي أعيش فيه على الأقل؟ أم في قدراتي البحثية المتواضعة؟ الفتاة الروتينية تصرخ مجددًا: ماذا يمكن أن أفعل؟

وعلى الرغم من أن هذه المقالة لا تشبهني مجددًا، لا تشبهني في أشياء كثيرة، في حس التمرد، وفي العشوائية والضبابية واللا قيمة واضحة، وفي تحديها لشخصيتي المتحفظة والتي لا ترغب في إثارة أي تحليل أو تفسير تجاهها: قاومت كل ذلك وكتبت.

حليب أسود، وخواطر أم طموح

49ac33d3b3101cf2d926799683a8391a

حليب أسود، عنوان لمذكرات إلف شفق، تحكي فيه آراءها ومذكراتها حول الزواج والأمومة بصفتها كاتبة طموحة تخشى أن ينهار سقف طموحاتها بفعل قرارها الأمومي([1]). (لا أنصح بقراءة الكتاب).

ليست وحدها من عاش هذا الصراع بين أن تكون أمًا مثالية، أو أن تحقق آمالها وطموحاتها بشكل مثالي أيضًا. عشرات الآلاف من مختلف البيئات حصل لهن ما حصل لـ إلف، ولكن ما الخلاص؟ وكيف نجيب هذا اللسان الذي يتكلم داخلنا؟

صديقتي الأم الطموح:

أشاطرك كل هاجس مر بخاطرك، أعرف جيدًا هذا الصوت الرنان الذي يتكرر داخلك ويتفشى بشكل مزعج: “هل ستذهب طموحاتي ومواهبي أدراج الرياح؟” .. أو بصيغة أكثر تحديدًا:

“كيف أحقق طموحاتي دون أن أفرط بواجبي الأمومي؟”.

لا بأس عليك، كل الأمهات الطموحات مررن في بادئ الأمر بمثل تجربتك، وتعثرت خطواتهن الأولى بمشاعر الإحباط، ولكن أعدك، سيتحول هذا الصراع إلى دخان لا يلبث أن يتلاشى، ويعود الصحو الجميل، إذا ما عرفتِ كيف تتجاوبين معه وتجيبين أسئلته، وتفاوضينه.

حين قررت بنفسي أن أجري مفاوضاتي الخاصة بشأن هذا الموضوع، أغلقت الباب في وقت ظهيرة ساكن، وجلست على طرف سريري، ويدي تغازل شعري، أسررت: “هل كان قراري بالزواج والإنجاب خاطئًا؟”.

سؤال ليس له إلا إجابة واحدة أعرفها ولا أنكرها، فلماذا يلح السؤال عليّ بهذا الشكل؟! إننا قد نحتاج أحيانًا لمراجعة اختياراتنا وأدوارنا ونمط حيواتنا، لا بغرض نسفها على كل حال، ولكن لنعيد الثقة فيها، ونعرف مقاصدها وأسرارها، أو نجري تعديلاتنا عليها إذا اقتضى الأمر.

بالنسبة لي كنت أدرك تمامًا محلّ الزواج والإنجاب بالنسبة للكون والفطرة والشرع، أؤمن بكون التربية هي وظيفة الأنثى الأساس التي وضعها الله، كما للرجل وظيفته الكسبيّة، فلماذا نصر على تبديل أدوار خلقها الله ولم نخلقها نحن؟ أخذت أهتف بحماس كمن حسم القضية لصالحه:

بل مرحبًا بوظيفة أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، ولا أهلًا بادعاءات النسويين والنسويات حين قرروا أن الزواج والأمومة ليسا إلا ظلمًا وقيدًا للمرأة عن تحقيق ذاتها.

أستشعر كثيرًا كيف يمكن أن تحقق الأنثى ذاتها في أجمل صورة حين تحفُّ أطفالها بأجنحتها، وتقرأ عليهم تعاويذ الصباح وقصة النوم كل ليلة، إنه دور أنثوي فاتن بكل المقاييس.

قد أكون أسرفت في البرهنة على سؤالي الذي يبدو لي كسؤال وجودي، ولكن حله بهذا التفصيل كان مدخلًا ضروريًا لحل المشكلة العائمة داخل رأسي، إذ حين أتصالح وأؤمن بدوري الأمومي فسيكون السعي بعده لطموحاتي منسجمًا مع نفسي وحياتي، دون أن يكون هناك شرخ أو علاقة متوترة وتنافسيّة بين دورين: من يكسب الرهان منهما!

سعي يتوانى مرة ثم يشتعل أخرى، ولكن لا يقف! سعي لا بالقوة والتمرد، ولكن بالإرادة والأمل والصبر، والرضى أولًا وأخيرًا.

هل يبدو الكلام مثاليًا وزائفًا؟ حسنًا.

أعرف أني سأتعثر أحيانًا، سأمر بأزمات (قصيرة المدى)، ولكن كل هذا لأنني أطمح إلى دور ثانوي بالنسبة للنظام الاجتماعي والفطري الذي وضعه الله. لا أقول هذا تقليلًا من شأن هذا الدور الثانوي (الذي أحبه وأرى غايتي فيه)، سواء كان تحصيلًا لعلم في مستويات متقدمة، أو مزاولة لمهنة مرهقة، أو مبادرات خيرية هنا وهناك، ولكن أقوله لأضع كل أمر في سياقه الطبيعي، ولا أحمل نفسي مالا تحتمل، ثم أضع اللوم على دوري الأساسي.

لا أحب أن أبدو ناصحة ملحة وكثيرة الكلام، لذلك سأحاول أن أخرج من هذا الدور بخواطر سريعة، ومشاهدات واقعية:

  • يكذب من قال إن طموحات الأم تموت بميلاد أطفالها. هناك متسع وهناك وقت لأشياء كثيرة، ولكن أين الأم التي تُبقي إرادتها حية؟ أين الأم التي ترتب حياتها؟ أين الأم التي لا تسرف في إعذار نفسها؟
  • قد تبدو الأمومة مغرية أحيانًا، والتبضع للأطفال ممتع إلى حد بعيد، ومنافسة الأمهات الأخريات في الخبرة الأمومية -الهامشية- مصدر إشباع نفسي، فنخادع أنفسنا إذا ما لاحت أحلامنا -وألحّت- بأننا منهمكون ومعذورون في الانشغال بشيء أهم.
  • أعرف الكثير من الأمهات البارعات في تربية أطفالهن، ومع ذلك لا يفوت الناظر إليهن أن يلمح الجهة الثرية المقابلة، إلى مستوى الثقافة، وتنوع الخبرات، والاستمتاع بالمواهب، والمشاركات المجتمعية المتكررة، ليست (سوبر وومن)، إنها امرأة طبيعية قررت أن لا تدفن نفسها تحت ركام بيتها وزوجها وأبنائها.
  • غالب الأمهات الطموحات مثاليات، فإما أن تكون أمًا مثالية بنسبة 100%، أو أن تحقق طموحاتها الشخصية والمهنية بنسبة 100%. خيار (إما أبيض أو أسود) يثبت فشله في تحقيق حياة مستقرة وراضية أيًا ما كان نوعها، وأيًا ما كانت الخيارات.

والآن، كيف يبدو ما دونته في الأعلى؟ كيف يبدو تفكيري الذي قرر أن يتخذ شكل الحبر هذه المرة؟ إنه تفكير بصوت مسموع لا أقل ولا أكثر، خواطر حاولتْ أن تمد يدها لكل الخواطر الأخرى التي تتقاسم معها وتتقاطع في أذهان أمهات كثيرات من حولها. أرجو أن يكون فيها ما يطمئن، أو يحفز، أو على أقل تقدير: لا يسبب أذىً لأحد.

لم ينته الكلام الذي في رأسي بعد، ولكن يجب أن أتوقف عن الكتابة. ها هو طفلي يستيقظ من غفوته ويدلف باب الغرفة. ربما للحديث بقية.

([1]) يحسب لها طرحها للموضوع وبشفافية، إلا أن عليه ملحوظات فكرية كثيرة، وإنما دونت اسم الكتاب هنا لسعة انتشاره.

مركزنا الصيفي!

أهلًا بكم.

عودة للتدوين في جوانب أخرى من حياتي، ولعلها تكون نواة لتدوينات كثيرة في جوانب حياتي المختلفة -مرحبًا بالتشتت من جديد :)-

سأكتب اليوم عن مشروع بسيط، من رزمة المشاريع التي تبدأ بها بشكل عفوي، وبلا رؤية واضحة لما سيؤول إليه الأمر، إلا أنك تفاجأ في النهاية بأن كل شيء سار على أفضل مما يرام (الحمد لله وحده).

“مركز فتيات العائلة الصيفي الواتسابي” فكرة ولّدها المنظر المتكرر في كل عائلة تقريبًا أثناء الإجازات: فتاة في سنّ النشاط والإبداع والإنجاز تقضي يومها مستلقية على سريرها أو كنبة الصالة، وبين يديها: الجوّال. لا تفاعل حقيقي، ولا هواية، ولا هدف. المنظر بحد ذاته بشع ولا أحتمله.

وبصفتي الحفيدة الكبرى في العائلة، فقد شعرت بمسؤولية مفاجئة تجاه بقية الحفيدات. راسلت ابنة خالي الجامعية أطلب تحفيزها ورأيها: “لا بد أن نفعل شيئًا، الوضع لا يحتمل”. وكان المركز الصيفي.

فكرة المركز عبر الواتساب سهلة، وليس هنالك ثمة غريب يُخشى من التعثر أمامه، لنجرب، لا شيء يمنع من التجربة.

أطرح الآن الفكرة أمامكم بتفاصيلها، لا أذكرها على أنها قصة أو ذكرى أو تمجيد شخصي، بل أرجو أن يمرّ من هنا مَن تقدح الفكرةُ زنادَ همته، فيسعى لتطبيقها أو نشرها والإفادة منها.

عودة للفكرة:

ولأني بعيدة -نسبيًا- من بنات أخوالي، لفارق العمر، وربما بعد المكان، فقد أرسلت لهم كخطوة مبدئية استبيانًا يكشف اهتماماتهم، ورغباتهم، حتى يُبنى جدول فعاليات المركز على أساسه.

استبانة (اكتشفي ذاتك)

كانت إجاباتهم جميلة، وربما صادمة، ومتوقعة أحيانًا.

وفي خلال ليلتين تقريبًا، أصبح جدول فعاليات المركز جاهزًا:

جدول المركز

إعداد المهارات منهم وإليهم، فقد وُزعت عليهم حسب رغباتهم، والإعداد لها يكون بتصوير مقطع فيديو، أو تجميع صور، ونصوص، أو اختيار مقطع من اليوتيوب، والمطلوب هو التطبيق من بقية الفتيات.

أما التحدي .. فهو كما هو موضح. تحدي عملي ممتع في الغالب.

أما البرنامج الثالث -الذي لم يخصص له خانة في الجدول، لأنه ثابت ومستمر-، فكان حفظ شيء من القرآن. حفظ مفتوح حسب الرغبة ولو آية، والتسميع بينهم، ويُكتب في المجموعة في نفس اليوم مقدار التسميع وعدد الأخطاء واسم المسمّعة.

للاستفادة أكثر، هنا نماذج للبرامج:

التطوير: سمعنا مقاطع صوتية تحفيزية مثل: النجاح – ياسر الحزيمي  و رحلة طموح – علي الشبيلي .. كان الأثر رائعًا جدًا.

اللغة الانجليزية: استفدنا من هذين المقطعين: أهم 1000 جملة انجليزية ، و سلسلة كيف أقول؟. كان المطلوب حفظ 6 جمل تقريبًا.

الطبخ: مقاطع فيديو بتصوير شخصي، الأسبوع الأول كنا على موعد مع خضار بالدجاج، أما الأسبوع الثاني فاستمتعنا بكيكة السنيكرز. التطبيقات كانت رائعة، والأمهات أول من سعد بهذه الفقرة :)

الرياضة: معلومات رياضية، ومقاطع مصورة، ننفذ منها بعض التمارين. (اليوتيوب مليء بالكثير منها، مع الحرص على انتقاء ما لا ينافي الدين ويخدش الحياء).

التجميل: طرق ماسكات، ومقشرات، ونقل تجارب. وتطبيقها بالطبع.

التصوير: استفدنا من هذا الموضوع: 8 أسرار لتصوير احترافي ، وتفاجأت من تطبيقاتهم له (قيمناها في اليوم الأخير).

الخط: استفدنا من هذين الرابطين (ملزمة) كيف تحسن خطك و (مقاطع) كيف تحسن خطك بالقلم العادي

تحدي المقالات: اخترت لهم مجموعة من المقالات لقراءتها، منها هذه: الأول، الثاني، الثالث، الرابع.

لم يتطلب المشروع أي جهد مني بصراحة، باستثناء التقييم نهاية كل يوم، بوضع نقطة لكل إنجاز: الحفظ نقطة، المهارة نقطة، التحدي نقطة، ثم حساب مجموعها آخر يوم من المركز.

وبالطبع فإن الفعاليات وُضعت مراعية مستواهم ومستوى اهتماماتهم، وكان مقصودًا جدًا أن لا يكون الجدول مكثفًا أو جادًا، فليس الهدف سوى تحريك شيء من الوقت المهدر الآسن، والإحساس بمتعة الإنجاز ولو كان بسيطًا.

تلك القاعدة العميقة التي أرسيت عليها مهامي، وجعلتها شعاري، وناديت بها كثيرًا: “قليل دائم خير من كثير منقطع”، كم لهذه العبارة من فضل عليّ وعلى الناس؟

وعلى الضفة الأخرى، كان درسًا عميقًا لي: طاقات من حولنا هائلة، لا تحتاج سوى إشعال الفتيلة. وربما يبدو من الواضح أننا لا نحتاج إلا إلى جدول يضبط سيرنا، وقبله نعرف أين نحن؟ وماذا نريد؟

قلت لهم آخر يوم: لن يتيسر دائمًا أن يضع الناس جدولًا لنا مثل ما تفعل المدرسة، كما لن تتيح الدنيا لنا دائمًا مصادر تحفيزية خارجية، هل يعني هذا أن نتوقف؟ أحيانًا قد يبدو المصدر الوحيد لتحفيز أنفسنا هو نحن. ونحن فقط المسؤولون عن إسعاد ذواتنا، وعن تطويرها.

في أثناء تلك الأيام حادثتني زوجة خالي الغالية، تقترح أن يكون مشروعًا ربحيًا في المستقبل، وعلى نطاق أوسع (مثل دورات الواتساب). ولأن الاقتراح لا يناسبني -على الأقل في الوقت الحالي- فإني أطرحه لمن تجد في نفسها القدرة على التواصل الجيد مع الفئة المستفيدة، والتحفيز، ووضع البرامج المناسبة (المشروع لا يحتاج لأكثر من ذلك).

كانا أسبوعين حافلين جدًا بالنسبة لي، انتهيا على خير بفضل الله، وكان أفضل ما كسبته هو اكتشاف ذلك الجمال في نفوس الناس القريبين مني، والتي كنت أظن جهلًا أني أعرفها (شكرًا لكم، وأحبكم).

حفل الختام:

ولأن طعم الإنجاز لذيذ للغاية، كان لا بد من حفل ختامي يليق بالإنجاز.

IMG_4431

IMG_4429

في نهاية هذه التدوينة، لا أعرف كيف أقنعكم أكثر بتجربة هذه المبادرة، لكني حقًا وددت لو أن كل من مرّ على أحرفي هنا أن يطبقها في أقرب إجازة. ليس هناك أية جهد، والنتائج مبهرة وجبارة، كيف والمستفيد هم من أقرب الناس لك؟ ترين فرحتهم بالإنجاز، وسعادة والديهم، ودعواتهم، بل وقبل ذلك كله هو مشروع ربحي أخروي للمحتسب. مشروع ذكي جدًا، من قبيل المشاريع الوقفية.

اللهم تقبل منا، وانفعنا وانفع بنا واجعلنا مباركين أينما كنا، واملأ حياتنا بما يرضيك من الأعمال، واجعلها زادًا للآخرة.